تقرير: استمرار التمويل الرسمي للمشروعات عقبة تواجهها البنوك

التقرير من إعداد: الدكتور جون اسفيكياناكيس و تركي عبد العزيز الحقيل
تحسّنتتوقّعات الاقتصاد السعودي بفضل الإنفاق الحكومي الضخم، بالدرجة الأولى، مايعني أنّ دور الإقراض المصرفي في عملية تعافي الاقتصاد السعودي ظلّمحدوداً. فبعد انقضاء جزء كبير من الربع الثاني، ظل النشاط الائتمانيللبنوك السعودية الخاصّة دون التوقعات، رغم تحسُّن ثقة الشركات الخاصّةبالاقتصاد الوطني واستمرار أسعار النفط المرتفعة وبقاء الأوضاع الماليةالقويّة للبنوك السعودية.
وبحسبتقرير أصدره البنك السعودي الفرنسي فإن التمويل الرسمي للمشروعات يمثلإحدى العقبات الرئيسة التي تواجهها البنوك السعودية الخاصّة.
فرغمضخامة حجم ونطاق سوق الائتمان المحليّة، يبدو من المستبعد أنْ تتوافرالحوافز الكافية لتشجيع هذه البنوك على توسيع نشاطها الائتماني قبل نهايةالعام الجاري وبداية عام 2011، لأنّ التمويل الرسمي الهائل يُقلّص فرصالإقبال على القروض المصرفية خلال العام الجاري.
فانطلاقاًمن حرصها الشديد على تنفيذ استراتيجيتها التنمويّة قريبة المدى، تتحملالسعودية معظم الأعباء المالية لعملية التعافي الاقتصادي عبر تقديم قروضمعفيّة من الفوائد لتسريع إنجاز المشروعات الرئيسية للبنية التحتية، مايشجّع الشركات الخاصة، بطريقة أو بأخرى، على تفادي القروض المصرفية ذاتالتكاليف المرتفعة نسبياً.
هنا،يتمثّل السيناريو المثير للقلق بحقيقة أنّ البنوك السعودية الخاصة لم تبذلالجهد الكافي لاستغلال الفرص المتاحة في مجال الإقراض الاستراتيجي محدودالمخاطر.
كماأنّ هذه البنوك تتردّد في تقديم قروض إلى الشركات الخاصّة الصغيرة التي لمتسجّل نجاحات باهرة، وتتعامل بحذر شديد مع طلبات الاقتراض التي تتلقاها منالشركات العائلية العريقة، بعد ما عدّلت سياساتها الائتمانية بسبب تعثُّرديون شركتين عائليّتين كبيرتين في عام 2009. إلى مجمل التقرير:

لاتزال توقعات نمو التمويل المصرفي متوسط الأجل للمشروعات إيجابيةً خلالالربع الجاري، رغم انسحاب شركة كونوكوفيليبس ConocoPhilipps من مشروع بناءمصفاة ضخمة لتكرير النفط في يُنبع بالتعاون مع شركة أرامكو السعودية؛ وذلكإثر إعلان شركة أرامكو الرسمية العملاقة وشركة داو كيميكال Dow Chemicalخططا لترميم إحدى المنشآت البتروكيماوية في رأس تنورة.
فقدتوقّعت البنوك السعودية أن تبدأ خلال الربع الجاري عملية التنافس في تمويلهذه المشروعات التي تربو تكاليفها الإجمالية على 30 مليار دولار.
وهناكأيضاً عديد من المشروعات الأخرى التي تحتاج إلى تمويل مصرفي في عام 2010،علماً أنّ بنوك التصدير والاستيراد أبقت على نسبة التغطية القصوى البالغة40 في المائة من التكاليف الإجمالية للمشروعات التي تسهم في تمويلها.
لكننظراً إلى عدم تأكيد انسحاب بعض الأطراف الرئيسة، فإنّ إمكانية مشاركةالبنوك السعودية في تمويل هذه المشروعات قد لا تتبلور قبل مرور بضعة أشهر.
نحن نتوقّع أن تبحث شركة أرامكو عن شريك عالمي جديد لإنجاز مشروع مصفاة ينبع لكي تتفادى تمويله بمفردها.
ومعأنّ الدولة السعودية تبذل قصارى جهدها لضمان العودة إلى معدّلات النموالاقتصادي المرتفعة، إلا أنه ينبغي عليها أن تعمل، في الوقت ذاته، علىضمان اضطلاع القطاع الخاص بدور استثماري فاعل.
مازلنا نتوقّع أن ينمو حجم القروض المصرفية الممنوحة إلى القطاع الخاص بمعدل8 في المائة في عام 2010، لأنه لا يزال من الممكن إبرام عدد من الصفقاتالتمويلية الضخمة خلال العام الجاري.
وبدأبعض البنوك بتوسيع نشاطه الائتماني، ولا سيما البنك الأهلي التجاري وبنكالرياض والبنك السعودي البريطاني، ما قد يشجع البنوك الأخرى على الاقتداءبهذه البنوك للحفاظ على حصصها السوقية.
وفيالشهر الجاري، تتوقع مجموعة مكونة من بنك الرياض ومجموعة سامبا الماليةوالبنك العربي الوطني أن تبرم صفقة جماعية لإقراض مجموعة ابن لادنالسعودية مبلغ 14.5 مليار ريال سعودي، من أجل تمويل بناء مركز الملك عبدالله المالي.
وبدأت البنوك العمل على زيادة نسب القروض الممنوحة إلى إجمالي الودائع، ما يبشر بتحسن أدائها الائتماني خلال الأشهر المقبلة.
وتتسارعوتيرة نمو النشاط الائتماني المصرفي ابتداء من أواخر العام الجاري وعلىمدى عاميّ عام 2011 و2012؛ إذ تشير تقديراتنا إلى أن التكلفة الإجماليةللمشروعات التي ستحتاج إلى تمويل مصرفي خلال هذه الفترة قد تزيد على 120مليار دولار، وأن أكثر من 60 في المائة من هذه المشروعات سيطلق في عام2011.
بعيداًعن العقبات التي تعترض سبيل تعافي النشاط الائتماني المصرفي، تخطى متوسطسعر برميل النفط 80 دولارا خلال آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، كما أنالمملكة رفعت معدل إنتاجها النفطي بصورة تدريجية لتلبية الطلب العالميالمتزايد على الخام، ما عزز وضعها المالي ومكنها من تعزيز أصولها الخارجيةحتى عادت إلى مستويات ما قبل سنة من الآن.
لكن الشهر الجاري اتسم بالحذر نتيجةً لاحتمال تراجع أسعار النفط بسبب أزمة الديون السيادية الأوروبية.
أماانخفاض مجموع المدخرات المودعة في البنوك السعودية خلال النصف الأول منالعام الجاري والبيانات التجارية الإيجابية، فإنهما يشيران إلى عودةالشركات السعودية إلى استثمار أموالها في الاقتصاد المحلي.
فيهذه الأثناء، نستبعد أن يترك إحجام البنوك الأوروبية عن الإقراض وأزمةالديون السيادية لليونان وسواها من دول منطقة اليورو أثراً يُذكر علىالاقتصاد الكلي السعودي.
ونتوقعأيضا أن تتقلص الضغوط التضخمية بصورة تدريجية نتيجة لانخفاض معدلات التضخمالأخيرة في الأسعار العالمية للسلع، بما فيها المواد الغذائية.
لكننا نستبعد حدوث أي انخفاض ملحوظ في معدل التضخم العام الحالي، بسبب نمو الطلب المحلي على السلع الاستهلاكية.
توقعات التعافي الاقتصادي
منالواضح أن البيئة الاقتصادية أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه قبل ستةأشهر، خصوصا أن أسعار النفط تجاوزت 80 دولارا للبرميل في شهري آذار (مارس)ونيسان (أبريل).
ونظرالتراجع النشاط التجاري العالمي في شهر أيار (مايو) بسبب المخاوف العالميةمن العدوى بأزمة الديون السيادية الأوروبية، نتوقع أن تتقلب أسعار النفطفي المدى المنظور لكن من دون أن تترك تداعيات مالية على المملكة.
فأسعارالنفط التي تحوم حول 60 دولارا للبرميل تكفي لتعزيز الوضع المالي القويللمملكة ولدعم نمو الاستيراد المحلي بمعدلات معقولة، إضافة إلى تشجيعالمواطن السعودي على الاستهلاك.
أماأسعار النفط التي تتجاوز حدّ 70 دولاراً للبرميل، فإنها تمكن المملكة منالإبقاء على مستويات الإنفاق العالية مع تسجيل فائض كبير في ميزان حسابهاالجاري.
إن التوقعات متوسطة المدى للاقتصاد السعودي مشجعة للغاية نظراً لإمكانية ارتفاع أسعار النفط ونمو الطلب العالمي عليه.
فقددأبت الدول الأعضاء في منظمة أوبك أخيرا على رفع معدلات إنتاجها بشكلتدريجي لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الخام، مع أن المنظمة لم ترفعسقف إنتاجها منذ كانون الأول (ديسمبر) عام 2008. وفي آذار (مارس).
وبفضلارتفاع معدّلات الإنتاج النفطي وبقاء متوسط أسعار النفط فوق 80 دولاراللبرميل في شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، تمكنت مؤسسة النقد العربيالسعودي من ترميم أصولها الخارجية بسرعة.
ففيآذار (مارس)، بلغت قيمة صافي الأصول الخارجية لمؤسسة النقد العربي السعودي1.56 تريليون ريال سعودي، ما يعني أن هذه المؤسسة استطاعت إعادة قيمة صافيأصولها الخارجية إلى مستويات ما قبل سنة من الآن، بعد ما انخفضت بنسبة 7.5في المائة في عام 2009؛ أي بواقع 122.3 مليار ريال سعودي، وذلك للمساهمةفي تغطية الميزانية العامة خلال فترة أسعار النفط المتدنية.
ففيأيلول (سبتمبر) 2009، تراجعت قيمة صافي الأصول الخارجية لمؤسسة النقدالعربي السعودي إلى أدنى مستوى لها بعد ما فقدت 14 في المائة من قيمتهاالقصوى، التي بلغتها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 ـ إذ سجلت أسعار النفطرقما قياسيا مرتفعا في عام 2008، قدره 147 دولارا للبرميل ثم تراجعت إلىما دون 40 دولارا للبرميل في غضون بضعة أشهر.
نظراإلى حقيقة أن درجة اعتماد المملكة على التصدير إلى أوروبا هي أقل بكثير مندرجة اعتماد دول شمال إفريقيا، فإن الميزان التجاري السعودي قد يتحسننتيجة لانخفاض سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي، مع أن الصادراتالسعودية إلى منطقة اليورو (نحو 10.6 في المائة من إجمالي صادرات المملكة)قد تتراجع.
بدورها، ستواصل البنوك الأوروبية اتباع سياسة تلافي المخاطر تجاه منطقة الخليج، ما سيفاقم ظاهرة تردد البنوك السعودية في الإقراض.
وعلىمستوى القطاع المالي، سيترك خفض تصنيف البنوك الأوروبية أثرا سلبيا فيقيمة أصول الصناديق السيادية السعودية والخليجية للثروة والمستثمرينعموماً.
وفيالحقيقة، لا تعتمد المملكة كثيرا على القروض الأوروبية لتمويل مشروعاتهاالتوسعية المختلفة، كما أن انكشاف بنوكها على أوروبا يكاد لا يذكر.
لكن إحجام البنوك العالمية عن الإقراض قد يدفع البنوك المحلية إلى التمسك بسياسة تلافي المخاطر.
وفي هذه الأثناء، أصبح لدى أغلب البنوك السعودية من الدولارات الأمريكية أكثر بكثير مما لديها من الأوراق النقدية الأوروبية.
ورغمهشاشة الأوضاع المالية العالمية، حافظت الاستثمارات السعودية العامة علىزخمها حتى بعد ظهور مؤشرات على تعافي النشاط الاستثماري الخاص، بشكلتدريجي.
وتبدوبيانات الحساب الجاري أقوى مما كان متوقعا. فقد أظهرت البيانات التينشرتها مؤسسة النقد العربي السعودي أن فائض الحساب الجاري الحقيقي في عام2009، بلغ 99.4 مليار ريال سعودي.
ارتفاع معدلات التضخم
علىهذه الخلفية المالية، قررنا رفع معدل التضخم العام المتوقع لعام 2010، من4.3 في المائة إلى 4.7 في المائة، وذلك بسبب الارتفاعات الأخيرة المتواترةفي الأسعار العالمية للسلع، ولا سيما السلع الغذائية، فضلاً عن العواملالمحلية، كمعدلات تضخم الإيجارات والارتفاع العام في أسعار السلع والخدمات.
ففينيسان (أبريل)، مثلا، ارتفع معدل التضخم العام إلى 4.9 في المائة، ليسجّلأعلى مستوى له منذ حزيران (يونيو) 2009، ومع أننا نتوقع حدوث بعض التراجعفي أسعار السلع والطاقة خلال الأشهر المقبلة، إلا أن زخم الأسعار سيظلقويا بما فيه الكفاية لتبرير زيادتنا الطفيفة لمعدل التضخم العام المتوقع.
نحننتوقع أن يزداد الدولار قوة وأن يزداد اليورو ضعفا خلال العام الجاري، معأن الأسواق قد تتفاعل مع مشكلة العجز المالي الأمريكي الهائل، في النهاية.
ومنالمتوقع أن يبلغ معدل التضخم العام في الولايات المتحدة 2.2 في المائة فيعام 2010 و2.1 في المائة في عام 2011. أما في منطقة اليورو، فإن معدلالتضخم العام قد يظل دون 1 في المائة خلال العام الجاري وقد يرتفع إلى 1.4في المائة في عام 2011.
وفي الصين، قد يظل معدل التضخم العام دون 3 في المائة في عام 2010، وقد يرتفع إلى 3.1 في المائة في عام 2011.
وبصفة عامة، من المتوقع أن يبلغ متوسط معدلات التضخم في آسيا 3.3 في المائة في عام 2010، وأن يظل دون 4 في المائة في عام 2011.
يعد انخفاض معدلات تضخم الإيجارات عاملا إضافيا من شأنه أن يسهم في استقرار معدل التضخم العام خلال العام الجاري.
إذمثل تضخم الإيجارات بوتيرة متسارعة العامل الرئيسي لارتفاع معدل التضخمالعام إلى مستوى قياسي في تموز (يوليو) 2008، عندما تجاوز 11 في المائة.
وفيالوقت الذي انخفضت فيه معدلات تضخم الإيجارات في دول الخليج الأخرى،استمرت معدلات تضخم الإيجارات في المملكة بالارتفاع حتى بلغت مستوى قياسياتاريخيا مرتفعا قدره 23.7 في المائة في تموز (يوليو) 2008.
لكن في آذار (مارس) 2009، بلغ معدل تضخم الإيجارات في المملكة 12 في المائة بعد ما تراجع على مدى ثلاثة أشهر متتالية.
وطبقالمسح السوق العقارية السعودية الذي أعده البنك السعودي الفرنسي في نيسان(أبريل)، فإن وتيرة تضخم الإيجارات تمر بمرحلة من التراجع المستمر فيالرياض وجدة.
وقديؤثر هذا الاتجاه في مستويات مؤشر تضخم الإيجارات، الذي يشتمل أيضاً علىأسعار الوقود والماء. لذا، نتوقع أن يتراجع مستوى مؤشر تضخم الإيجاراتالذي بلغ 10 في المائة في آذار (مارس) إلى 7 في المائة أو 8 في المائة، فيوقت لاحق من العام الجاري. ونظراً للتضخم المتسارع في أسعار الأغذيةوانخفاض وتيرة تضخم الإيجارات، التي لا تزال مرتفعة، نتوقع أن يظل متوسطمعدلات التضخم في المملكة مرتفعا نسبيا خلال العام الجاري وبواقع 4.7 فيالمائة، مقارنة بـ 5.1 في المائة في عام 2009. ويعزى هذا الانخفاض النسبيفي معدل التضخم العام السنوي إلى انخفاض معدلات تضخم الإيجارات.
نستبعدأن يمثل تضخم الأجور عاملا مهما خلال العام الجاري أو حتى خلال العامالمقبل، نظرا لتوافر العمالة الإقليمية والآسيوية بأجور معقولة. وهذا ماينطبق أيضا على الإنفاق الحكومي السخي، من وجهة نظرنا. لكن تركيز هذاالإنفاق على بضع شركات خاصة قد يقوض المنافسة السعرية في بعض القطاعات.
تراجعمعدلات نمو السيولة المتوافرة إلى أدنى مستوياتها منذ عقد، إثر انخفاضإجمالي المدخرات المودعة في البنوك يتمثل أحد العوامل التي لا تزيد الضغوطالتضخمية في المملكة بمعدلات نمو السيولة المالية المتوافرة. ففي آذار(مارس)، انخفض المعدل السنوي لنمو السيولة المتوافرة (M3) إلى 4.7 فيالمائة؛ وهذا هو أدنى مستوى له منذ قرابة عقد من الزمن. أما العاملالرئيسي الذي أدى إلى هذا الانخفاض الحاد من المستوى الأقصى الذي بلغ 20في المائة في عام 2008، فقد تمثل بقصر فترات الإيداع وتراجع الحجمالإجمالي للمدخرات المودعة في البنوك السعودية إلى 313.71 مليار ريالسعودي في آذار (مارس)؛ أي بنسبة 11.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها منالعام الماضي.
وتسارعتوتيرة التراجع السنوي لنمو هذه المدخرات بعد ما بلغت 9.6 في المائة فيشباط (فبراير)، ما أدى أيضا إلى انخفاض معدل نمو السيولة المتوافرة، رغمتراجع الطلب على القروض المصرفية. إذ انخفض المعدل السنوي لنمو الطلب علىهذه القروض من 21.6 في المائة في شباط (فبراير) إلى 20 في المائة في آذار(مارس).

عرض نسخة صالحة للطباعة
أرسل هذا الموضوع إلى صديق

